جلال الدين الرومي

402

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

وأنا أقول لك من بداية المثنوى : لا عقبة في الطريق أسوأ من الحسد ، فهو الذي يحبسك عن الرجال ، ويردك عن أبوابهم ، فتنظر إليه بعين إبليسية ، وتستكثر عليهم نعمة الله ، وتتكبر ، وترى نفسك خيرا منهم ، وهذا الجسد المملوء حسدا إنما يلوث كل سكانه من حواس وقوى عقلانية وقوى قلبية وروحية ، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على تطهير هذا البيت وخلاص سكانه ، وعندما قال الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام « طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » ( البقرة / 125 ) كان يقصد أيضاً القلب فهو بيت الله في الجسد وموضع سره ، قال نجم الدين « أما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته ولوامع أنواره وطوالع اسراره ووفور مواهبه ، فجملتها بلسان القوم الأحوال التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات ، السليمة من الآفات وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه ، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى صفات القلب المطهر وهي : الإرادة والصدق والاخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والإنكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشيه والهيبة والتوكل والتفويض فجملتها العبودية " ( مولوى 1 / 120 ) فهو أي الجسد كنز للنور لأنه محل القلب ، وما التراب الذي خلق فيه إلا ما يطلسم به الكنز لكي لا يظهر لمن ليس بأهل ، والشيخ لا حسد لديه ، وإذا انصب حسدك عليه ، فإن أذى هذه الحسد لا يحيق الا بجسدك أنت ، فالحسد مرض عند صاحبه ، لا يتألم منه سواه ، وما علاج هذا الحسد إلا تواضعك لأهل الحق ، واستسلامك لهم ، هذه النصيحة مجربه ، جربناها قبلك . ( 440 - 448 ) : لقد كان ذلك الوزير المتآمر على المؤمنين حسودا ، وما تخليه عن أذنه وعن أنفه إلا من حسده ، إن الحسود لا يحتاج إلى أذن يسمع بها غير ما توسوس به إليه نفسه الحسود ، ولا يحتاج إلى أنف يشم بها شذى معارف العارقين ، والشم هو الذي يوصل إلى بساتين العارفين ورياض الصالحين وأحباء الأولياء ومواضعهم ، فالحسود لا يضر إلا نفسه ، ولا يغلق الباب إلا أمام نفسه . وقد قال الرسول صلى اللّه عليه وسلّم « الحسد يفسد الايمان كما يفسد المر العسل » ( الجامع الصغير 1 / 151 ) وقال الامام على رضى اللّه « صحة الجسد قلة الحسد » ( مشكينى / 203 ) . وقلة الحسد تحفظ عليك حواسك من الخلل وفكرك من الزلل ، فاشكر الله على نعمة الشم ، بالا تلغيها ، فإنك إن